Tuesday, 21 October 2008
بعد أن أنهيت عمل اليوم، وقبل أن أقفل شاشة الكمبيوتر كعادتي تاركًا إياه يعمل طوال الليل كي لا انتظره بالنصف ساعة حتى يصحو من نومه البارد في الصباح التالي، اكتشفت أنني ـ ببساطة ـ لا أذكر حرفًا مما قمت به طوال اليوم.
أعرف كأمر واقع أنني كتبت عرضين سريعين لفيلمين، جمعت خبرين طويلين مهمين عن فريقين موسيقيين، كتبت خبرين عن ممثليين يعملان على فيلمين جديدين وقمت بعمل سباق الأغنيات البريطانية إلى جانب أمور أخرى أقوم بها هنا وهناك، اعرف هذا لأنه ببساطة روتيني اليومي، أعرف أنني سأفعل ذلك ولكنني لا أعرف ما هي الأفلام أو الفرق الموسيقية، لا أعرف من هم الممثلين.
في الواقع، أنا لم أكن أذكر للحظة ماهية الأخبار التي جمعتها وماذا قمت بعمله بها !
هكذا، عدت إلى البرنامج الذي اعمل عليه، راجعت ما قمت به اليوم كله، لأجد أن كله كامل وجيد ومكتوب بالشكل المناسب تمامًا.
هنا أدركت ما المشكلة بالضبط.
***
من ناحيتها، "علياء" لم تكن تحب الأماكن المغلقة.
"علياء" صديقتي تصعد الطوابق العشرة التي تفصل بين الأرض وبين مكتبها في مقر عملنا كل صباح على السلم، وتنزل في المساء على السلم أيضًا، ترفض بشكل قاطع ركوب المصعد.
أجبرتها ـ مرة ـ على ركوب المصعد معي، بدأت علامات الرعب تتكون على وجهها في لحظة أغلاق الباب، عرفت أنها قد تصرخ بأي لحظة فأمسكت بمحفظتها التي كانت تضغط عليها بكل قوتها وضغطت عليها بدوري لأريها أنني هناك، كنت أتمنى أن أضغط على كفها كي أحسها بالأمان ولكن ـ طبعًا ـ هذا قد يؤدي بي إلى فضيحة.
وبمجرد أن فُتح الباب ونحن بعد في الدور الثاني، قفزت "علياء" إلى الخارج لاهثة، واتجهت ـ دون كلمة ـ نحو باب السلم الداخلي.
***
عرضت فكرة أن أقوم بتغطية مهرجان القاهرة السينمائي لحساب الشركة الإعلامية الضخمة التي أعمل فيها على مديري في قسم الإنترنتيمانت، فوافق على الفكرة وحفذني على تنفيذها، وطالبني بإرسال إيميل مليئ بالتفاصيل التي أرغب في عملها في خصوص هذا الأمر.
وعندما كنت أقوم بكتابة الإيميل، ودون أن أحس تمامًا بما أفعله، أكدت للمدير أنني لن أحتاج إلى أي شخص كي يغطي عملي اليومي طوال فترة غيابي لتغطية المهرجان، وأنني قادر على اللعب بالصحون باليدين معًا وربما أيضًا دفع أحد تلك الصحون للإلتفاف على أنفي.
وافق المدير دون أي تردد، بل جاء إلى مكتبي بكل سعادة وأبتسم لي، وربت على ظهري، ووضح أنه يضع ثقته فيّ وأنه مدرك أنني قادر على فعل ذلك، اسعدني هذا، دفعني للإبتسام، وبدأت بنشر الخبر على الفيس بوك وعلى الهاتف مع الأصدقاء.
لم أكن ادرك أنني حتى وأنا أتحدى نفسي إلى أقصى درجة ممكنة بهذا الشكل، هذا التحدي الذي أدركت متأخرًا أنه قد يرهقني عقليًا إلى أقصى الدرجات طوال الشهرين القادمين، لن يكون تحديًا كافيًا بالنسبة لي، لأنني ـ ببساطة ـ أنا من وضع شروطه، أنا من جعله صعبًا بل أقرب إلى المستحيل كي أستحثني، كي أدفعني إلى الأمام وكي استثيرني، ولكنني ببساطة، ولأنني من قرر التحدي، اعرف أنني قادر على التنفيذ.
فقدت كل متعة التحدي نفسها.
***
تشاجرت علياء مع هبة، وقررت أنها لن تذهب اليوم إلى العمل كنوع من الابتعاد عن المشاكل.
أشتاق لوجود علياء في المكتب عندما لا تكون موجودة، صحيح أننا لا نتكلم كثيرًا إلا أن لوجودها نوع من الجمال كمعرفتك أن الشمس ستغرب في المساء حتى ولو كنت سجينًا داخل أسوار مكتبك دون نافذة تطلع على العالم من حولك تجعلك تعرف بوجود الشمس من أساسه.
لكنني أعرف أن علياء ستكون سعيدة، ستذهب إلى منزلها كعادتها بطريقتها المعقدة، تركب ميكروباص إلى أول محطة مترو فوق الأرض، هربًا من إحساس الاختناق تحت الأرض الذي يكاد يقتلها، ثم تركب المترو إلى منزلها البعيد، حيث تقضي مساءاتها على الشرفة تناقش الحياة القاسية مع أختها.
سعيد أنا لعلياء .. أتمنى السعادة لعلياء.
***
فجأة، مؤخرًا، أصبحت امشي طويلاً بعد أن أخرج من المكتب.
أحاول جاهدًا أن أمشي أطول فترة ممكنة رغم إرهاقي، كأنما أحاول أن استعيد روح القاهرة في داخلي، صحيح أنني لم أعد من أسعد المخلوقات على الأرض في الحياة في هذه المدينة، إلا أنها ستظل ساحرة كعادتها، تظل قاهرة كدأبها..
وفي تلك اللحظة التي تجاوزت بها برج القاهرة، ومع الأضواء السخيفة التي وضعوها عليه، أدركت ما المشكلة.
دعنا نكون واضحين، أنا لا أكره عملي على الإطلاق، بل بالعكس، إنه نوعية العمل التي أريدها بالضبط، الفكرة الوحيدة بالموضوع هي أن العمل لم يعد بالنسبة لي تحديًا على الإطلاق، أنا أقوم بكل بساطة بعمل ما علّي عمله، وهو الأمر الذي يأخذ جهدًا ووقتًا لا بأس بهما على الإطلاق، ولكنه ـ ببساطة ـ لم يعد تحديًا.
ما أقصده هو أن العمل مجهد وطويل، ولكنه ليس بتحدي.
يقتل كل الطاقة التي بداخلي، يجعلني عصيًا على تأليف القصص القصيرة، أو التفكير في أشياء جديدة، أصبحت أخرج لأقول التعليقات نفسها للأشخاص نفسها، لا طاقة لي على إبداع تعليقات جديدة، لا طاقة لي لمناقشة أشياء جديدة.
العمل، رغم أنني أحبه، إلا أنني أحسست اليوم أنه يقتلني ببطء.
والمشكلة أنك لا تستطيع ـ بعد مثل هذه الملاحظة ـ أن تعود إلى عالم البراءة الذي جئت منه، وتتجاهل هذه الحقيقة على الإطلاق.
***
"علياء" بطلة قصتي التي لم أعد قادرًا على إكمالها لم تلاحظ، بعد أن كانت معي على الهاتف نتكلم عن العمل وهبة وكل هذا القرف، أن آخر محطة قبل النفق قد غادرت، لاحظت ذلك مع اللحظة التي أغلقت بها الأبواب فوقفت محطمة الأنفاس أمام الباب الزجاجي وبدأت تضربه بكل طاقتها محاولة فتحه، النفق يقترب، إلا أنها تدرك أنها قد تموت لو دخلت النفق، بدأت تصرخ، والناس من حولها ينظرون إليها باستغراب، النفق يقترب أكثر، هاهي مقدمة المترو تدخل النفق، هاهو الظلام يحيط بها للحظة.
هنا أمد يدي ـ أنا كاتب هذه السطور ـ لانتزع بطلة قصتي علياء من النفق، احملها بهدوء إلى مكتبي، أجلسها مكاني، اعطيها شخصيتي وأقدم لها أرائي في الحياة وابتسم لها وأربت لها على كتفها فتنسى حادث القطار.
إلا أنها لسبب ما، وهي تفتح الكمبيوتر كي تعمل على فيلمي اليوم، وخبري اليوم، وممثلي اليوم، لم تستطيع أن تتجاهل إحساسها العام إياه، كأنما تدخل نفق المترو، كأنما هي سجينة مصعد ..
***
Labels: Ahmedliving
















مازلت تدهشني، وإبداعك يبهرني، وهذا في حد ذاته دليل على أنه لا شيء يمكنه أسرك أو التأثير سلبا على قدراتك الذهنية والإبداعية كما تظن.
أشفق عليك جدا من التحدي الذي اخترته لنفسك وبنفسك، وكعادتي لا أملك سوى أن أدعو الله أن يهديك لما فيه خيرك في الدنيا والآخرة.
وتذكر أن حل مشكلة علياء لن يكون أبدا مواصلة الهرب مما يخنقهاويحاول انتزاع روحها، بل الحل هو أن تواجه ذلك الإحساس البغيض وتنتصر عليه.
ci vediamo
i guess it's all about the clastrophoby from being trapped in ur office not seeing the sun, in ur mind without moving freely as the old times.. u and Alia are the same person, having the same clastrophoby in diffirent ways.
i guess this is the clastrophoby u mean in ur title, don't u?!
oh! i made a mistake once more...
it's "Clastrophobia", not "Clastrophoby"....sorry!
أهلا يا روزا ..
إزيك ؟ واحشانا النهاردة بالمكتب ..
ميرسي على الكلام اللطيف وأتمنى إن كل المقالات الجديدة تنال إعجابك طول الوقت :)
Hey Islam .. how're you man ?
I think you got the point of the story, merci for taking the time to read and write a comment, and hope to see you again here ..
Ahmed
Leave your response